الشيخ محمد رشيد رضا
116
الوحي المحمدي
ولو كان القرآن ككتب القوانين والفنون لما كان لتلاوته كل ذلك التأثير في قلب الطباع ، وتغيير الأوضاع . بل لكانت تلاوته تمل فتترك ، فأسلوب القرآن الذي وصفناه آنفا من أعظم أنواع إعجازه اللغوي ، وتأثيره الروحي ، ومن ارتاب في هذا فلينظر في المسائل التي تشتمل عليها السورة منه وليحاول كتابتها نفسها أو مثلها . بأسلوب تلك السورة ونظمها وأسلوب سورة أخرى كالسور التي يتكرر فيها الموضوع الواحد بالإجمال الموجز تارة وبعض التفصيل تارة ، وبالإطناب فيه أخرى . كالاعتبار بقصص الرسل مع أقوامهم في سورة المفصل ( كالذاريات والقمر والحاقة ) وفيما فوقها ( كالمؤمنون والشعراء والنمل ) وفيما هو أطول منها ( كالأعراف وهود ) ثم لينظر ما يفضى إليه عجزه من السخرية والتكرار المملول . الذي يغثى منه الذوق غثيانا ، وتمجه القلوب وتستفرغه استفراغا . وقد بين غوستاف لوبون في كتابه ( روح الاجتماع ) أن تكرار الدعوات الدينية والسياسية والاجتماعية في الخطب والمقالات التي تثير الجماعات وتدعّهم ( تدفعهم بعنف ) إلى الانهماك والتفانى فيها دعاء هو الذي يثبتها في القلوب ، ولذلك يعتمد عليه خطباء السياسة ورؤساء الأحزاب ومؤسسوها ، وكذلك التجار وغيرهم فيما ينشرونه من الإعلانات في الصحف ويعلقونه في الشوارع . ( ونقول ) : ما كان محمد ولا أحد من أهل عصره يعلمون هذا . لكن اللّه يعلم من طبائع الجماعات والأقوام . فوق ما يعلمه حكماء عصرنا وسائر الأعصار ، وإنما القرآن كلامه ليس فيه من التكرار ، إلا ما له أكبر الشأن في انقلاب الأفكار ، وتغيير ما في الأنفس من العقائد والأخلاق ، ولو جمعت أبلغ خطب رجال السياسة التي أحدثت التأثير في أحزابهم وقرئت بعد ذلك مرات قليلة لسارع الملل إلى نفس كل قارئ حتى أتباع ذلك الخطيب أنفسهم وقراءة القرآن لا يملها أحد يفهم معانيها ، ويذوق حلاوة أسلوبها . ألا وإن تقليب القلوب والأفكار ، لأعسر من فلق الصخور وتحويل الجبال ، وقد ضرب اللّه لهذا المثل بقوله : لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [ الحشر : 21 ] . وهكذا كان تأثير القرآن في العرب ، فهذا مثلهم ، وأما مثل بني إسرائيل بعد رؤيتهم آيات اللّه لموسى فقوله لهم بعد سردها : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [ البقرة : 74 ] .